القرطبي

149

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال المهدوي : وكثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث ، وكان المضاف بعض المضاف إليه منه أو به ، وعليه قول ذي الرمة : * مشين . . . البيت فأنث المر لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة ، إذ كان المر من الرياح . قال النحاس : وفيه قول آخر وهو أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكر المصدر المؤنث ، مثل " فمن جاءه موعظة من ربه ( 1 ) " وكما قال ( 2 ) : * فقد عذرتنا في صحابته العذر * ففي أحد الأقوال أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة . " قل انتظروا إنا منتظرون " بكم العذاب . قوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ( 159 ) قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم ) قرأه حمزة والكسائي ( فارقوا ( 3 ) ) بالألف ، وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، من المفارقة والفراق . على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه . وكان علي يقول : والله ما فرقوه ولكن فارقوه . وقرأ الباقون بالتشديد ، إلا النخعي فإنه قرأ " فرقوا " مخففا ، أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض . والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك . وقد وصفوا بالتفرق ، قال الله تعالى : " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( 4 ) " . وقال : " ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ( 5 ) " . وقيل : عنى المشركين ، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة . وقيل : الآية عامة في جميع الكفار . وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل به فقد فرق دينه . وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية " إن الذين فرقوا دينهم " هم أهل البدع والشبهات ، وأهل الضلالة من هذه الأمة . وروي بقية بن الوليد

--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 359 . ( 2 ) البيت لحاتم وهو في ديوانه واللسان : أمنوي قد ضال التجنب والهجر * وقد عذرتني في طلابكم العذر . ( 3 ) من ك . ( 4 ) راجع ج 20 ص 143 . ( 5 ) راجع ج 6 ص 5 .